في الثالث من آذار (مارس) شنّ الاحتلال الإسرائيلي حرباً على لبنان، بعد اطلاق "حزب الله" صلية صاروخية الى الأراضي الفلسطينية المحتلة كرد على الإنتهاكات الإسرائيلية الجسيمة التي حدثت بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024. عدوان اسرائيلي طال الجنوب اللبناني والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، الى جانب استهدافات في العاصمة بيروت، وصلت ذروتها في 8 نيسان (ابريل) عندما استهدفت الطائرات الإسرائيلية بيروت بـ 100 غارة في اقل من 10 دقائق مخلّفة اكثر من 300 شهيد جلّهم من الأطفال.
مشهدية دموية طبعها الإحتلال الإسرائيلي أجبرت أكثر من 1.1 مليون شخص على النزوح. إذ تبعاً لأرقام "الأمم المتحدة"[1] (6 نيسان – ابريل) فقد أشارت الى ان "عدد الرجال والنساء والأطفال المسجلين كنازحين في لبنان تجاوز 1.1 مليون شخص" فيما يقيم أكثر من 137 الف شخص (يشكل الأطفال نحو ثلثهم) في ما يقارب 700 موقع ايواء جماعي ، معظمها مدارس، بينما يقيم غالبية النازحين مع المجتمعات المضيفة أو في تجمعات غير رسمية".
هؤلاء النازحون الذين توزعوا على الجغرافيا اللبنانية وعلى الرغم من الظروف القاسية التي اختبروها، تعرّضوا بدورهم الى تضييق والى خطاب كراهية من قبل بعض المنصات الإعلامية وبنيت سرديات محرّضة بحقهم طالت انتماءاتهم الطائفية والسياسية ولم تراع الظروف الإنسانية.
وفي تعريف "الأمم المتحدة[1]"، لخطاب الكراهية، تقول أنه يشير الى "الكلام المسيء الذي يستهدف مجموعة أو أفراداً بناء على خصائص متأصلة والتي قد تهدد السلم الإجتماعي". وأيضاً تُعرّف حسب "الأمم المتحدة"، بإنها نوع من "التواصل الشفهي او الكتابي او السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية (..)، على اساس الدين او الإنتماء الإثني او الجنسية او اللون او النسب أو النوع الإجتماعي أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية."
خطاب الكراهية لم يطل فقط النازحين، بل عُمل على استغلال الإستهدافات الإسرائيلية في المناطق اللبنانية التي يفترض ان تعتبر "آمنة"، ووجّه اليهم خطاب الكراهية سيما في الإستهدافات الإسرائيلية التي طالت الفنادق والشقق السكنية في العاصمة بيروت وخارجها. فتحول الإستهداف الى "فرصة" لتمرير خطاب كراهية بحق النازحين المنتشرين هناك، واعتبارهم خطراً على باقي السكان، والدعوة الى طردهم فقط، لإفتراض ان من يستهدفه العدو يعدّ من مقاتلي "حزب الله"، علماً أن معاهدة "جنيف" (1949) تحمي المقاتلين خارج الجبهة.
خطاب الكراهية في وسائل الإعلام المحلية تجاه النازحين:
تعرّف "الإسكوا"[2] النزوح بإنه "الإنتقال القسري للأفراد من مناطقهم أو بيئتهم وأنشطتهم المهنية"، وتضيف بإن النزوح يعدّ "من أشكال التغيير الإجتماعي الناجم عن عدد من العوامل وأكثرها شيوعاً هو الصراع المسلح".
في لبنان، إبان العدوان الإسرائيلي شمل خطاب الكراهية هؤلاء النازحين، فطال الطائفة التي ينتمون اليها اضافة الى ولاءاتهم الحزبية.شمل أيضاً أولئك المتواجدين في الفنادق او الشقق السكنية في المناطق "الآمنة".وطال أيضاً حتى غير المنتمين حزبياً الذين بدورهم لم يسلموا من هذا الخطاب.
ويمكن تقسيم هذا الخطاب الى ثلاث أقسام تبعاً لتواجد النازحين ان كان في المدارس او في الفنادق أوالشقق المستأجرة.
بداية، دخل هذا الخطاب ليشمل طائفة بأكملها والمقصود هنا، الطائفة الشيعية، اذ وصل الى اطلاق أحكام معلّبة بحقها، ضمن سياقات تاريخية وثقافية مقتطعة لصالح تكريس هذه الأحكام السلبية.يمكننا هنا، العودة الى تقرير مصوّر[3] بث على منصة صحيفة "النهار" اللبنانية (تأسست عام 1933)، تحت عنوان :"من بنت جبيل الى الضاحية ..قصة النزوح الشيعي الى بيروت بالأسماء والتواريخ"، نشر في 22 آذار (مارس). تقرير (4:33 دقيقة)، يتناول تاريخياً مراحل نزوح "عائلات شيعية" من الجنوب والبقاع لتتجه الى بيروت، وتأثير ذلك على العاصمة ونشوء الضاحية الجنوبية لبيروت. الملاحظ هنا، في هذا التقرير استبعاد العامل المسبّب لهذا النزوح، الا وهو الإحتلال الإسرائيلي على مدى العقود السابقة، في تعمية عن جزئية أساسية من هذا التاريخ. وأيضاً لجوء هذا التقرير الى أحد المؤرخين لوصم طائفة بأكملها بأوصاف سلبية كالقول بأنها لطالما لازمت الأحزان ولم تدخل الأفراح ديارها في محاولة لإيصال حكم مسبق بأنها طائفة تسعى دوماً الى الموت ولا تحب الحياة. وخصّ التقرير هنا، الحرب العدوانية السابقة في العام 2024، في سياق متعمّد يهدف الى وصم هذه الطائفة بأبعاد ثقافية تنميطية سلبية. واكثر من ذلك، اتهم التقرير المذكور هؤلاء بإنهم يتعرّضون لترهيب حزبي "فيقولون عكس ما يعتقدون به". فيدّعي التقرير على لسان هذا المؤرخ بإن الطائفة الشيعية وتصريحات النازحين خصوصاً "تختلف أمام الكاميرا بنسبة "90%"، قائلاً:" إنهم يتحدثون بخلاف ما يعتقدون"!.
بدورها، منصة "سبوت شوت" (Spot Shot) اللبنانية الإلكترونية (تأسست عام 2020) نشرت في 3 آذار (مارس) الماضي، تقريراً[4] بعنوان :"أبواب لبنانية تغلق بوجه أبناء المحور..ونداء لشيعة الضاحية : تخوينكم انقلب عليكم!". يستشف من مضمون العنوان خطاب الكراهية من خلال استخدام مصطلحات مسيئة كـ"شيعة الضاحية" و "أبناء المحور". الملاحظ في هذا التقرير استضافة الصحافي طوني بولس، الذي اتهم "حزب الله" بالإحتماء بالمدنيين. ودعا الى "التدقيق في هوية كل نازح"، "كي لا يكون مندساً من ميليشيا حزب الله ويريد أن ينتحر وينحر مجتمعاً بأكمله" حسب قوله. وفي تعبير تحقيري دعا بولس "البيئة الشيعية لأن تنظّف نفسها بنفسها".
هذا السياق انسحب أيضاً، على منصة "هنا لبنان" (يموّلها المصرفي أنطون الصحناوي) التي نشرت في 18 آذار (مارس) مقالاً [5] بعنوان :"صرخة مليون شيعي مهجّر تؤرق الرئيس بري..وحراك لكسر طوق التهجير والبحث عن ممر للعودة". يتناول مراكز الإيواء التي وصفها بإنها "تئن من الجوع والعطش والبرد"،وتخرج من خلالها ما أسماه ب"الإنتقادات" حول هذا الوضع وتعريض النازحين "للنبذ في كثير من المناطق اللبنانية التي تخشى استقبالهم تخوفاً من تواجد عناصر لحزب الله بينهم وإمكانية تحوّل هذه المناطق الى اهداف عسكرية"! كما ورد في التقرير.
مخيم "الكرنتنيا":
يمكن تأريخ وصول خطاب الكراهية الى ذروته حيال موجة النزوح، إبان طرح إنشاء مركز للنزوح في منطقة "الكرنتنيا" (شرق بيروت) . حملة اعلامية عنصرية ممنهجة طالت هذا الطرح الذي قدمته جهات رسمية لبنانية تابعة لوزارة الشؤون الإجتماعية. إذ أخذ هذا الطرح أبعاداً خطيرة دخلت فيه الطائفية، واستخدم فيه خطاب تحريضي،واستٌرجعت فيه ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) الدموية.
ففي تاريخ 21 آذار (مارس) نشرت قناة mtv اللبنانية التي يملكها ميشال المر، تقريراً [6] بعنوان :"على بعد أمتار من الشريان السيادي الحيوي الأخير: مشروع إيواء للنازحين أم بداية حصار صامت لمرفأ بيروت"، مرفق بعنوان فرعي آخر :"مشروع إيواء للنازحين أم بداية حصار صامت لمرفأ بيروت تحت عنوان إنساني؟". يستهل التقرير بسؤال يحمل الكثير من التعابير التنميطية والتقسيمية، ويعيد التذكير بتفجير المرفأ 2020 الذي حصل بمقربة من "الكرنتنيا"، من بوابة اثارة المخاوف.فيقول :"أكثر سؤال يتردد في كواليس البيئة البيروتية التي ما تزال تدفع فاتورة 4 آب (تفجير المرفأ) هل يستخدم الإيواء كمدخل غير مباشر لتطويق بيروت من خاصرتها البحرية؟". يستضيف التقرير النائب نديم الجميل الذي نصّب نفسه ناطقاً باسم سكان منطقة "الكرنتنينا"، وادعى بإنهم "خائفون من تحوّل المركز الى بؤرة أمنية".عمد التقرير الى عرض صور لتفجير المرفأ مرفق بتعليق :"الذاكرة الجماعية للبيارتة (اي الذين يعيشون في بيروت) مجروحة من حزب الله بسبب عرقلة العدالة ..من حق الناس ان تخاف من إنشاء حزام أمني لوجستي من قبل حزب الله يمكن استثماره لاحقاً وبلحظة يمكن ان ينهار أمنياً او من خلال نشوب حرب"!.
على مقلب صحيفة "نداء الوطن" (رئيس التحرير أمجد اسكندر – الناشر: ميشال المرّ) التي نشرت في 23 آذار (مارس) مقالاً [7]تحت عنوان :"مخيم الكرنتنيا..غطاء لإطباق القبضة على بيروت" للكاتب نخلة عضيمي. يصف الأخير "حزب الله" ب"العصابة". ويفترض الكاتب بأنه خاسر في هذه الحرب، فيسأله :"هل يتجه نحو إعادة فرض سيطرته في الداخل لتعويض اي خسارة خارجية؟ ". وبعدها يحاول ربط انشاء هذا المركز بحدوث خلل أمني لدى سؤاله مجدداً :"ما خطورة إنشاء مخيم النازحين في الكارنتينا على مقربة من مرفأ بيروت في هذه المنطقة شديدة الحساسية (..) "اي خلل أمني سيمتد الى شريان الإقتصاد اللبناني.". ويفترض سلفاً أن هذا المخيم سيتحول الى "بيئة غير مضبوطة أمنياً (..) بيئة قابلة للإحتكاك والتوتر مع وجود طرف مسلح كـ "حزب الله".
وفي الصحيفة عينها، وتحديداً في تاريخ 27 آذار، نُشر مقال [8] لجوسلين البستاني، تحت عنوان :"الكرنتنيا تغيير الوجهة لا يغيّر الذاكرة". شُغل المقال من منظور نظري تحاول فيه الكاتبة ارجاعنا الى فترة الحرب الأهلية من زاوية طائفية من خلال استذكار تواجد المنظمات الفلسطينية آنذاك في المركز، وتبرير المجزرة التي حدثت بحق فلسطينيين ولبنانيين لدى قولها بإن المركز شكل وقتذاك "نقاط اختناق استراتيجية على خطوط امداد شرق بيروت" (..) "في غضون ساعات سقط المخيم" بمعنى اطباق حزب "الكتائب" عليه بالنار. وهنا طبعاً، اعادة التذكير بالواقع الدموي التاريخي لإسقاطه على ما يمكن ان يحصل في "الكرنتنيا".
استهداف الفنادق:
حصل الإستهداف الإسرائيلي الأول في 8 آذار (مارس) لفندق "رامادا" في منطقة "الروشة" (بيروت)، ومنذ تلك اللحظة بدأت سلسلة من الإستهدافات لفنادق في العاصمة وخارجها. الجامع المشترك فيها: استباق التحقيقات ونشر أسماء المستهدفين إستناداً الى بيانات جيش الإحتلال الإسرائيلي مما خلق حالة من البلبلة و"شرعنة" هذه الإستهدافات ووضع المسؤولية على من يرتادون الفنادق، وممارسة بالتالي خطاب كراهية تجاههم وتجاه باقي النازحين الذين لجأوا الى الفندق. قناة mtv على سبيل المثال، أوردت عن "مصدر أمني" أن "الغرفة تعود لأشخاص استشهدوا مع "الحزب" وان العناصر من الحرس الثوري الـ4 كانوا في الغرفة أثناء الضربة الإسرائيلية". وفي تغطية [9]مباشرة من امام الفندق في اليوم الثاني (9 آذار) ، اقترحت مراسلة lbci، بترا ابو حيدر كـ"حل أمني وجذري" لأصحاب الفنادق بأن يعمدوا الى التصوير الفوتوغرافي لصاحب الغرفة عبر بطاقة ID، أو وضع أسوارة مدّعمة بالماسح الضوئي (QR Code) لتكون بمثابة مفتاح للغرفة. هكذا مورس تضييق أكثر على نزلاء الفنادق سيما من النازحين ودُعي للتعامل معهم على انهم سجناء او اقله "حيوانات"!. ولم يصار الى ادانة الإحتلال على هذه الإستهدافات وحتى التمييز بين المدنيين والمقاتلين المحميين أصلاً خارج ساحات القتال.
في الخلاصة،فإن خطاب الكراهية في لبنان بلغ مستويات مرتفعة جداً في الإعلام اللبناني المتلفز أو الإلكتروني إبان العدوان الإسرائيلي. طال شريحة إجتماعية محددة، واساء اليها عبر التنميط السلبي وحياكة روايات غير واقعية بغية خلق أجواء من التوتر والدفع نحو الصدام الأهلي، في تناس ٍ لأوضاعها الإجتماعية والإنسانية الصعبة والمتمثلة بنزوح أكثر من مليون لبناني من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، مكث معظمهم على الطرقات.يمكننا القول بإن غياب المساءلة القانونية وتلكؤ الوزارات المختصة كوزارة الإعلام لعبا دوراً في تمدّد هذا الخطاب وانتشاره دون حسيب أو رقيب وبالتالي خلق أرضية خصبة للتوترات الأهلية.
توصيات:
في كل ما كل ما سبق خالفت وسائل الإعلام المحلية المذكورة قانون المرئي والمسموع (94/ 382) في حظر كل ما من شأنه بث اي محتوى يثير النعرات الطائفية او يحدث فتنة او انقسام داخلي، خاصة في فترة الأزمات والحروب.ومن المؤسف ان البرلمان اللبناني الى الآن لم يقرّ القانون الجديد للإعلام الذي من شأنه تنظيم وسائل التواصل الإجتماعي والإعلام الإلكتروني. لذا يمكن ان نطرح التوصيات الآتية:
- ضرورة التزام وسائل الإعلام المحلية بقانون المرئي والمسموع والتمتع بالمسؤولية الوطنية.
- تفعيل دور وزارة الإعلام في إعادة تصويب الخطابات الإعلامية المسيئة والتي من شأنها المسّ بالسلم الأهلي.
- ضرورة تفعيل أجهزة الرقابة الإعلامية كالمجلس الوطني للإعلام الذي من مهمته اعادة توجيه الخطاب الإعلامي والعمل على حفظ الأمن الوطني
- ممارسة الوسائل الإعلامية رقابة ذاتية على المحتوى الذي تقدمه ضمن إطار يحفظ حرية الإختلاف في الرأي وفي الوقت عينه يتنبه الى خطورة استخدام خطاب الكراهية خاصة في بلد يعيش انقسامات سياسية وطائفية حادة.
- ضرورة اقرار قانون الإعلام الجديد كخطوة تشمل اعادة تنظيم كل القطاعات الإعلامية بما فيها الإعلام الإلكتروني.
[7] https://www.nidaalwatan.com/article/372101-%D9%85%D8%AE%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%86%D8%AA%D9%8A%D9%86%D8%A7-%D8%BA%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%A5%D8%B7%D8%A8%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D8%B6%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA
[8] https://www.nidaalwatan.com/article/372955-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%86%D8%AA%D9%8A%D9%86%D8%A7-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9
[9] https://www.facebook.com/LBCILebanonNews/videos/%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%86%D8%AF%D9%82-%D8%B1%D9%85%D8%A7%D8%AF%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%81-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D9%85%D8%A7-%D8%A3%D9%81%D8%A7%D8%AF%D8%AA%D9%87-%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%80lbcipetraabouhaidar-lb/1440021150329793/
